من طباعة الورق إلى طباعة الأعضاء! مع معاذ بوعائشة في "سهالات": مستقبل الطباعة ثلاثية الأبعاد
تطورت الطباعة ثلاثية الأبعاد خلال سنوات قليلة من تقنية تبدو للوهلة الأولى مخصصة لصناعة النماذج والأشكال البسيطة إلى أداة تستخدم اليوم في الهندسة والطب والصناعة والتعليم، وتفتح الباب أمام تطبيقات مستقبلية أكثر طموحًا، من بينها تصنيع أنسجة بشرية وربما أعضاء كاملة في المستقبل. وفي الحلقة العاشرة من بودكاست «سهالات» بعنوان «من طباعة الورق إلى طباعة الأعضاء!»، يستضيف شاكر الشريف وبركات عسيري المهندس معاذ بوعائشة للحديث عن هذه التقنية، وتجربته مع الابتكار وبراءات الاختراع، وكيف يمكن للطباعة ثلاثية الأبعاد أن تغير الطريقة التي نصنع ونعالج بها الأشياء.
كيف تطورت الطباعة ثلاثية الأبعاد وما أهم استخداماتها؟
لفهم أهمية الطباعة ثلاثية الأبعاد، يجب أولًا معرفة أن الفكرة تختلف تمامًا عن الطباعة التقليدية على الورق.
فالطابعة التقليدية تضع الحبر على سطح مسطح، بينما تقوم الطابعة ثلاثية الأبعاد ببناء جسم حقيقي طبقة فوق طبقة اعتمادًا على تصميم رقمي.
يمكن أن يكون الجسم قطعة بلاستيكية صغيرة، أو جزءًا هندسيًا معقدًا، أو نموذجًا طبيًا مصممًا وفق بيانات مريض محدد.
وهنا تكمن قوة التقنية.
فبدل صناعة ملايين النسخ المتطابقة فقط، يمكن إنتاج قطعة واحدة مخصصة لحاجة شخص أو مشروع بعينه.
وتستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد حاليًا في مجالات عديدة، مثل الهندسة والتصنيع والتعليم والطب.
وفي المجال الطبي تحديدًا، تُستخدم بالفعل لصناعة نماذج تشريحية تساعد الأطباء في التخطيط للعمليات، وأدلة جراحية، وبعض الغرسات والأطراف الصناعية المصممة لتناسب المريض.
ويتحدث معاذ بوعائشة في الحلقة عن أنواع الطباعة ثلاثية الأبعاد وتأثيرها في الحياة، ويشرح كيف يمكن لاختيار المادة وطريقة الطباعة أن يغير المنتج النهائي.
فبعض الطابعات تستخدم البلاستيك، وأخرى المعادن، بينما توجد أبحاث تستخدم مواد حيوية وخلايا فيما يعرف باسم الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد.
ويظهر هنا الفرق المهم بين الطباعة ثلاثية الأبعاد التقليدية والطباعة الحيوية.
فالأولى تصنع أجسامًا من مواد غير حية، أما الثانية فتحاول بناء أنسجة تحتوي على خلايا حية بطريقة تحاكي تركيب الأنسجة البشرية.
هل يمكن فعلًا طباعة قلب أو كبد بشري؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة المرتبط بمستقبل التقنية.
العلماء استطاعوا بالفعل طباعة نماذج وأنسجة وهياكل حيوية صغيرة تستخدم في البحث العلمي واختبار الأدوية، لكن الوصول إلى عضو بشري كامل يعمل بكفاءة ويمكن زرعه داخل المريض أكثر تعقيدًا بكثير.
فالعضو ليس مجرد شكل خارجي.
القلب مثلًا يحتاج إلى عضلات وخلايا متخصصة وأوعية دموية وأعصاب ونظام يسمح بوصول الأكسجين والغذاء إلى كل جزء منه.
والكبد يحتاج إلى شبكة شديدة التعقيد من الأوعية والخلايا والوظائف الحيوية.
ولهذا ما تزال طباعة أعضاء حية كاملة قابلة للزرع بصورة روتينية في المستشفيات هدفًا بحثيًا للمستقبل، وليست خدمة طبية متاحة اليوم.
وهذا يعني أن عبارة «طباعة الأعضاء البشرية» يجب فهمها باعتبارها مجالًا علميًا واعدًا، وليس حقيقة طبية مكتملة بالفعل.
كيف تجمع الطباعة ثلاثية الأبعاد بين الابتكار والطب والذكاء الاصطناعي؟
لا تركز الحلقة على التكنولوجيا وحدها، بل تعرض أيضًا رحلة معاذ بوعائشة مع الابتكار والشغف والاستمرار.
فمن بين الموضوعات التي يناقشها أهمية التخطيط والفشل، وكيف يمكن للمبتكر التعامل مع نتيجة لم تكن متوقعة.
وهذه الفكرة مهمة لأن الابتكار العلمي لا يسير غالبًا في خط مستقيم.
قد ينجح النموذج الأول، وقد يفشل عشرات المرات قبل أن يصل الباحث إلى حل عملي.
ويقدم معاذ خلال الحلقة عددًا من مشروعاته وتجارب الابتكار، منها مشروع «بنان» وطريقة الترويج له، إضافة إلى حديثه عن براءات الاختراع.
كما يتناول تجربة مرتبطة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد في تطبيقات طبية مخصصة، وهي من أبرز نقاط قوة هذه التقنية.
فالطب التقليدي يعتمد أحيانًا على أدوات أو قطع موحدة، بينما تسمح الطباعة ثلاثية الأبعاد بتصميم منتج يتوافق مع شكل جسم الشخص أو احتياجاته بصورة أدق.
وهذه ميزة كبيرة في مجالات مثل الأطراف الصناعية، والنماذج التشريحية، وبعض الأدوات الجراحية.
وتناقش الحلقة كذلك الربط بين الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد.
وهذا التكامل قد يكون من أهم اتجاهات المستقبل.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل الصور والبيانات واقتراح تصميمات، بينما تستطيع الطابعة تحويل التصميم الرقمي إلى جسم حقيقي.
وفي الطب يمكن أن يساعد هذا الدمج في التخطيط للجراحة أو تطوير نماذج تعليمية وبحثية أكثر دقة.
ومن التطبيقات المهمة أيضًا استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد في تدريب الأطباء.
فبدل أن يتعلم الطبيب من صورة ثنائية الأبعاد فقط، يمكنه التعامل مع نموذج فعلي لعضو أو عظمة تم إنتاجه اعتمادًا على بيانات الأشعة.
وهذا قد يساعد في فهم الحالات المعقدة والتخطيط للجراحة قبل دخول غرفة العمليات.
كما يمكن أن تقلل التقنية من الوقت والمواد المستخدمة في بعض الصناعات، لأن الطابعة تضيف المادة حيث يحتاجها التصميم بدل إزالة كميات كبيرة من المادة الخام كما يحدث في بعض أساليب التصنيع التقليدية.
لكن الطباعة ثلاثية الأبعاد ليست حلًا مثاليًا لكل شيء.
فالتكلفة وسرعة الإنتاج ونوعية المواد والدقة والمتطلبات التنظيمية كلها عوامل تحدد متى تكون التقنية مناسبة.
وفي المنتجات الطبية تحديدًا تصبح معايير السلامة أكثر صرامة، لأن أي خطأ في التصميم أو المادة يمكن أن يؤثر مباشرة في صحة الإنسان.
ولهذا يحتاج الانتقال من الأبحاث الخاصة بـ الطباعة الحيوية للأعضاء إلى الاستخدام الطبي الواسع إلى سنوات من التجارب، وتطوير المواد، وضمان سلامة الأنسجة، ووضع معايير تنظيمية دقيقة.
وتفتح الحلقة أيضًا بابًا للنقاش حول التخصص والابتكار.
فمن الرسائل التي يطرحها معاذ أن النجاح لا يأتي بالضرورة من محاولة القيام بكل شيء في الوقت نفسه، بل من معرفة نقاط القوة والتركيز عليها.
وهذا مهم بصورة خاصة في المجالات التقنية، لأن التقدم السريع يجعل من الصعب أن يصبح الإنسان خبيرًا في جميع التخصصات.
لكن التعاون بين المهندسين والأطباء وعلماء الأحياء ومتخصصي الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج حلولًا لم تكن ممكنة عندما يعمل كل مجال منفصلًا عن الآخر.
وتقدم حلقة بودكاست «سهالات» مع معاذ بوعائشة صورة لمستقبل لم يعد ينتمي بالكامل إلى أفلام الخيال العلمي. فالطباعة ثلاثية الأبعاد تستخدم بالفعل في الطب والهندسة، بينما تتقدم أبحاث الطباعة الحيوية خطوة بعد أخرى نحو بناء أنسجة أكثر تعقيدًا.
وربما يصبح تصنيع أعضاء بشرية كاملة قابلة للزرع ممكنًا يومًا ما، لكن العلم لم يصل إلى هذه المرحلة بعد. وما يجعل التقنية مثيرة اليوم ليس الوعد فقط بـ «طباعة قلب جديد»، بل التطبيقات الواقعية الموجودة بالفعل، والقدرة على تخصيص المنتجات الطبية، وتسريع الابتكار، والجمع بين الهندسة والطب والذكاء الاصطناعي لبناء حلول أكثر دقة للإنسان.